جمعة بوكليب يكتب “لا بديل عن قيام دولة فلسطينية”

جمعة ابوكليب /-

عبق نيوز| ليبيا / طرابلس| كتب جمعة بوكليب و هو كاتب ليبي؛ صحافي وقاص وروائي ومترجم. نشر مقالاته وقصصه القصيرة في الصحف الليبية والعربية منذ منتصف السبعينات. صدرت له مؤلفات عدة؛ في القصة القصيرة والمقالة، ورواية واحدة. عمل مستشاراً إعلامياً بالسفارة الليبية في لندن. مقالاً عنونه بـ “لا بديل عن قيام دولة فلسطينية، ونشرته صحيفة الشرق الأوسط  الصادرة بتاريخ الأحد – 03 شَعبان 1446 هـ – 2 فبراير 2025 م، جاء فيه:

الصورُ التي نقلتها إلينا، على الهواء مباشرة، وسائل الإعلام العربية والدولية، للآلاف من الفلسطينيين من سكان قطاع غزة، على ذلك الطريق الضيق، من جنوب القطاع إلى شماله، عائدين إلى قليل مما بقي ثابتاً صامداً من بيوتهم، وإلى كثير مما تحوّل منها إلى أنقاض وركام وخرائب، أيقظتْ في ذاكرات كثير منّا، تلك الصور القديمة لفلسطينيي عام 1948، وهم ينزحون عن ديارهم قسراً في طريقهم إلى شتات، كان وما زال لطخة على جبين الإنسانية.

طريقُ العودة يختلف بالطبيعة، مذاقاً وطعماً ولوناً، عن طريق الخروج. والفلسطينيون، على اختلافهم، ممن تعرضوا للمحنة المُرّة، صهدتهم تجربة النزوح عن أرضهم والعيش في الشتات، وعلمتهم دروساً كثيرة؛ لعل أبرزها وأكثرها وضوحاً الدرس الذي يؤكد أن العيش في أرض وطنك، حتى بين أنقاض وركام وخرائب بيوت مهدمة، في مخيّم كبير، تحوّل بمرور السنين على أيدي العدو الإسرائيلي إلى أكبر سجن على وجه الأرض، يحمل معاني ومشاعر مختلفة عن العيش في أرض بلدان مجاورة، حتى إن تكلم أهلها اللغة نفسها وبلكنة مختلفة، أو في أرض بعيدة، وبلغة أعجمية. طريقُ العودة إلى شمال غزة، بلا مواربة، له معنى واحد: العودة إلى الوطن، مهما كانت حالته من السوء. تلك العودة لا يعرفها إلا من عاش وذاق طعم مرارة العيش لاجئاً، في غربة منافٍ بعيدة لا تريده، ولن تقبل به، فما بالك أن تُحبّه.

من أهم وظائف الصور، الثابت منها والمتحرك، أنّها توثق لحظات مهمة، في تاريخ فرد أو جماعة، أو أرض وبلاد، أو شعب وأمة. وبالطبع، المقصود بالتوثيق لحظات الفرح والحزن، لحظات النصر والهزيمة. والصور التي شاهدناها على شاشات القنوات التلفزيونية، في الأسبوع الماضي، لرجال ونساء وأطفال وشيوخ وعجزة، وهم يحملون في أياديهم، وعلى ظهورهم، ما بقي لهم من متاعٍ قليل، تسجّل، في رأيي، لحظة تاريخية؛ لحظة فرح وانتصار ضد عدو ومخطط جهنمي، يسعى إلى استبدال شعب بآخر، ولغة بأخرى، ودين بدين وتاريخ بتاريخ، وتوثّق بوضوح التغيير الذي أحدثته تجربة النزوح والشتات على عقلية الفلسطيني، الذي عاش نازحاً في مخيمات قطاع غزة أو في الضفة الغربية بعد محنة عام 1948، وهو العام الذي يعلّم لتأسيس دولة إسرائيل.

التغيير الذي يمكننا رصده، هو التشبّث بالأرض بقوة، والبقاء في وطن يسعى مستوطنون إلى ابتلاعه قطعة قطعة، جاءوا من مختلف بقاع الأرض، عازمين على اقتلاع الفلسطيني من جذوره.

العودة إلى شمال غزّة تعدّ تاريخية بمختلف المعايير والمقاييس، كونها حدثت مباشرة بعد توقف مؤقت لحرب إبادة جماعية دامت 15 شهراً، وتعدّ الأطول في تاريخ الحروب مع العدو الإسرائيلي، واستهدفت القضاء على البشر، وتدمير البنيان وتحويله إلى تراب، إلا أنّها فشلت في تحقيق الهدف، وبشهادات الأعداء قبل الأصدقاء؛ بل وأفلحت في شقّ صفوف العدو الإسرائيلي، وأدّتْ إلى استقالة الغلاة من قادة التطرف من الائتلاف الحكومي. ونجحت في لفت أنظار الرأي العام العالمي وتغييره، خلال 15 شهراً من الصمود والمعاناة ضد أعتى الجيوش المسلحة بأعتى أنواع الأسلحة.

وشاهدنا على شاشات مختلف القنوات التلفزيونية حدوث ما لم يكن متوقعاً في حسابات العدو الإسرائيلي وحلفائه، حيث انبثقت هادرة موجات التعاطف الشعبي الدولي مع الفلسطينيين في قطاع غزّة، والفلسطينيين عموماً، وبشكل غير مسبوق.

الآن، وقد عاد الآلاف من سكان شمال غزة إلى أرضهم، التي أجبروا بقوة السلاح على مغادرتها، تبيّن للجميع أن الفلسطيني في عام 2025 ليس الفلسطيني في عام 1948. وتحوّلت الكُرة من نصف الملعب الفلسطيني إلى الجزء الآخر من الملعب، حيث تتخندق أعتى آلة عسكرية، وأعتى عقلية استعمارية استيطانية، مدعومة بقوى دولية نووية. وتأكد للمتطرفين في إسرائيل ولحلفائهم في الغرب أن الفلسطينيين لن يقبلوا مرّة ثانية ببلع طعم النزوح والإذعان إلى العيش غرباء في منافٍ لا تريدهم، وأنه ليس أمامهم سوى التعامل مع هذه الحقيقة بعقلية وبعينين مختلفتين، وأنّه مهما طال الوقت والمماحكات والحروب والقتل والدمار، فإن الفلسطيني باقٍ، وعازمٌ على الاحتفاظ بما تبقى فوق رأسه من سماء، مهما كانت صغيرة الحجم، وأن خيار الدولة الفلسطينية المستقلة ليس له من بديل.

المصدر / صحيفة الشرق الأوسط  الصادرة بتاريخ الأحد – 03 شَعبان 1446 هـ – 2 فبراير 2025 م

 

 

Comments are closed.

نحن لا نقوم بجمع بياناتك ولا نقوم ببيعها، نحن فقط نستخدم بعض الكوكيز التي قد تساعدنا في تطوير الموقع او تساعدك فيي الحصول على الصفحات بشكل أفضل موافق/ة إقرأ المزيد